محمد بن وليد الطرطوشي

68

سراج الملوك

فقال النعمان : قد علمت أنّ الشجرة والمقبرة لا يتكلمان ، وقد علمت أنك إنما أردت عظتي ، فجزاك الله عني خيرا ، فما السبيل الذي تدرك به النجاة ؟ قال : تدع عبادة الأوثان ، وتعبد الله وحده ، قال : وفي هذه النجاة ؟ قال : نعم . فترك عبادة الأوثان ، وتنصّر يومئذ ، وأخذ في العبادة والاجتهاد . وقال عبد الله بن المعلم « 1 » : خرجنا من المدينة حجّاجا ، فلما كنا بالرّويثة « 2 » نزلنا ، فوقف بنا رجل عليه ثياب رثّة ، ليس له منظر وهيئة ، فقال : من يبغي خادما ؟ من يبغي ساقيا ؟ فقلت : دونك هذه القربة ، فأخذها فانطلق ، فلم يلبث إلا يسيرا ، حتى أقبل وقد امتلأت أثوابه طينا ، فوضعها كالمسرور الضّاحك ، ثم قال : لكم غير هذا ؟ قلنا : لا ، وأطعمناه قرصا باردا ، فأخذه وحمد الله تعالى وشكره ، ثم اعتزل وقعد ، فأكله أكل جائع ، فأدركتني عليه الرأفة ، فقمت إليه بطعام طيّب كثير ، فقلت له : قد علمت أنّه لم يقع منك القرص بموقع ، فدونك هذا الطعام . فنظر في وجهي وتبسّم ، وقال : يا عبد الله ، إنّما هي فورة جوع ، فما أبالي بأيّ شيء رددتها ، فرجعت عنه ، فقال لي رجل إلى جنبي : أتعرفه ؟ قلت : لا ، قال : إنّه من بني هاشم ، من ولد العباس بن عبد المطلب « 3 » كان يسكن البصرة ، فتاب فخرج منها ، فتفقّد فما عرف له أثر ، ولا وقف له على خبر ، فأعجبني قوله ، ثم اجتمعت به وآنسته ، وقلت له : هل لك أن تعادلني « 4 » ؟ فإنّ معي فضلا من راحلتي ، فجزاني خيرا ، وقال : لو أردت هذا لكان لي معدّا . ثم أنس إليّ ، فجعل يحدثني ، فقال : أنا رجل من ولد العباس ، كنت أسكن البصرة ، وكنت ذا كبر شديد وبذخ ، وإني أمرت خادما لي أن تحشو فراشا لي من حرير ، ومخدّة بورد نثير ، ففعلت ، وإني لنائم إذا بقمع وردة قد أغفلته الخادم أيقظني ، فقمت إليها فأوجعتها ضربا ، ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة ، فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة ، فهزّني وقال :

--> ( 1 ) عبد الله بن محمد بن فضلويه المعلم ، من أئمة الإمامية الرافضة . . ( 2 ) الرويثة : قال ياقوت الحموي في معجم البلدان : « هي مكان على بعد ليلة من المدينة » ونقل عن الحافظ في الفتح : « إنها قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخا » ، ونقل عن الزهري قوله : « الرويثة منهلة من المناهل التي بين المسجدين ، يقصد مكة والمدينة » . ( معجم البلدان 3 / 119 ) . ( 3 ) العباس بن عبد المطلب : عم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام ، إليه ينسب العباسيون ، توفي سنة 32 ه . ( الأعلام 3 / 32 ) . ( 4 ) تعادلني : ترافقني وتركب معي ، يقال : عادله في المحمل : أي ركب معه .